محمد أبو زهرة
106
المعجزة الكبرى القرآن
ثالثها : قولهم : إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ ولا أحسب أنه يمكن أن تضع كلمة مكان راغبون ، مع إلى ، وتجد في هذا التعبير إشارات بيانية رائعة ؛ أولاها في تكرار كلمة ربنا للشعور بنعمه سبحانه الظاهرة والباطنة ، والثانية في تقديم الجار والمجرور على خبر إن ، فإن ذلك التقديم للقصر ، وهو يفيد أنهم لا يرغبون في مال ولا نشب ، ولا يحسبون شيئا يمكن أن يكون بغير إرادة ربنا ، إذ كانوا قد حسبوا أنهم بجهودهم يصلون ويمنعون الماعون ، ويقسمون ألا يدخلنها مسكين ، ولكنهم الآن لا يتجهون إلا إلى اللّه تعالى العلى القدير ، والتعبير براغبون يفيد أنهم يسيرون في طريق اللّه تعالى وحده برغبة ومحبة ، فهم يطلبون طريق اللّه تعالى لا خوفا من عقابه ، ولا رجاء لثوابه فقط ، ولكن محبة لذاته العلية ، فانتقلوا من دركة العصيان إلى مرتبة المحبة وطلب الرضوان . 65 - ونرى في هذه الآيات الكريمة المصورة لتلك القصة التي تشتمل على العبرة الواضحة ، فيها تتلاقى المعاني وكل معنى ردف لما سبقه ، ومقدم لما يليه في تآخ بين جزئياته ، وتعانق مع كلياته ، كل جزء من الكلام يوعز لما يليه ، وفيها الألفاظ مؤتلفة في نغم يهز النفس ، وتآلف بين الألفاظ مفردة ، وجملا ، وفيها تصوير للنفس الإنسانية كيف يدخل إليها الطمع ، ومع الطمع الشح ، وإذا سكن الشح قلبا دخل منه الظلم وهضم الحقوق ، وإنه لكي ينجو المؤمن من أن يكون ظالما عليه أن يراقب مداخل الشح إلى نفسه ، فإن سد طرقها إليها ، فقد فاز ، وكان عادلا ، كما قال تعالى في سورة أخرى : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ الحشر : 9 ] ، فإن وراء الشح الهلاك ، ووراء السماحة الفوز . وإن الآيات تصور لنا حال من يغتر ، ومن يطغيه الاستغناء ، ومن يحرم نعمة الاعتماد على اللّه تعالى والتفويض إليه ، ثم حاله عندما يفاجأ فيجد قدر اللّه تعالى أمامه يرد عليه طغيانه ، ثم تصور النفس التائبة ، وذلك كلام العزيز الحميد . النفس الفرعونية 66 - وإذا كانت هذه الآيات التي تلوناها تصور النفس التي تطغى أن رأتها استغنت ، وحسبت أنه لا قدر فوق ما تقدر ، وكيف تفاجأ بقدر اللّه فتتنبه ، فقد صور اللّه تعالى في كتابه العظيم ، النفس التي تطغى ، فتتغطرس فتتحكم في الرقاب ، وتفرق بين العباد ، فهذه يأخذها اللّه تعالى أخذ عزيز مقتدر ، ولامكان لتوبتها ، إذ تفاجأ ، لأنه لا يكفر ذنوب العباد إلا ردها ، ولا سبيل لرد ما فعلوه ، ثم كان فسادهم ، وتضييعهم الناس ، ولذلك يؤخذون بذنوبهم ، واقرأ قوله تعالى : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ( 4 )